كلمة الأمين الوطني الأول خلال اللقاء الذي جمعه بمنتخبي الحزب لولاية الجزائر
إنّ التحوّلات العميقة والمتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، وما يرافقها من اضطرابات إقليمية وتحديات دولية معقّدة، تضع بلادنا أمام لحظة تاريخية دقيقة، تستدعي قدراً عالياً من اليقظة والوعي والمسؤولية الوطنية.
هذه اللحظة تفرض علينا، بعيدا عن التردّد و الحسابات الضيقة، الانخراط في نقاشات وطنية هادئة وعقلانية، قوامها تغليب المصلحة العليا للوطن، والسعي الصادق إلى بلورة توافقات واسعة حول القضايا المصيرية التي تمسّ حاضر الجزائر وتحدّد مسارات مستقبلها عبر ترسيخ ثقافة التوافق كخيار وطني استراتيجي، وإرساء فلسفة الحوار الجامع والمتزن، المتحرّر من منطق الإقصاء والعصبية، والمحصَّن ضد الشعبوية والتطرّف والعدمية كمبدأ أساسي لإيجاد الحلول لمشاكلنا.
فالمراحل المفصلية لا تُدار بالمغالطات ولا بالمزايدات و لا « بالتغنانت »، بل بالحكمة، وبإعمال العقل، واستحضار روح المسؤولية التاريخية التي حملها رجال ونساء نذروا حياتهم، عبر أجيال متعاقبة، من أجل تحرير و صون الوطن، وتحصين سيادته، والحفاظ على وحدته وسلامته الترابية.
في هذا العالم المتسم بتصاعد الصراعات، واحتدام التنافس بين التكتلات و القوى الدولية، وهيمنة منطق القوة و المصلحة، أين لا مكان إلا لمن يملك عناصر الصمود و المناعة، الواجب الوطني يفرض على المجموعة الوطنية، على اختلاف مشاربها و مواقعها، بناء وعي جماعي متبصّر، قادر على التمييز بين الاختلاف في الأفكار و المشاريع وبين ما يهدد كيان الدولة الوطنية ومستقبل الأمة و هذا بوضع الأسس اللازمة لمشروع وطني جامع يؤسس للديمقراطية السياسية الفعلية و دولة القانون، التنمية الاقتصادية و الرقي الاجتماعي.
لنجاح مثل هكذا مقاربة يقتضي الأمر قرارات شجاعة وإصلاحات سياسية واقتصادية و اجتماعية عميقة، تتجاوز الحلول الظرفية، وتضع أسس تنمية مستدامة، قائمة على الحكامة الرشيدة، وتكافؤ الفرص، وتثمين الطاقات الوطنية.
ولن يتحقق ذلك إلا بإعادة الاعتبار للسياسة و لأدواتها و بفتح حقيقي للفضائيين السياسي و الإعلامي، وفتح المجال أمام القوى الوطنية الديمقراطية، وتمكينها من المساهمة الفعلية في صناعة القرار، ضمن نقاش حرّ، بنّاء ومسؤول، يسهم في تشكيل رأي عام واعٍ، يشكّل خط الدفاع الأول عن الوطن ومصالحه الاستراتيجية.
إن استعادة الثقة المفقودة و الفوز بمعركة الوعي تتطلبان اصلاحات مؤسساتية و سياسية و كذلك تشريعية جريئة و واقعية تضع بالأساس إعادة النظر في القوانين المؤطرة للحياة السياسية و العامة في قلب هذا المسار إلى جانب ضمان حماية الحريات و الحقوق الأساسية .
واليوم، ونحن أمام مفترق طرق تاريخي، فإن تعزيز التماسك الوطني يظلّ الخيار الأنجع والأكثر أماناً. تماسكٌ يقوم على الالتفاف حول الشخصية الوطنية الجامعة، وعلى الاعتزاز بهويتنا المتعددة الأبعاد، وبغنى ثقافاتنا وتنوّع لغاتنا، وبقيمنا الحضارية الأصيلة التي صاغتها مسيرة تاريخية طويلة، من أعماق الماضي إلى تحديات الحاضر. فبالوحدة والوعي، وبالالتزام الصادق بخدمة الوطن، نحمي الجزائر، ونؤسّس لمستقبل آمن و مزدهر يسوده العدل و الإنصاف، يرقى إلى تضحيات أبنائها، ويستجيب لطموحات أجيالها الصاعدة.
ولا بدّ في هذه الفترة الحاسمة الإدراك بأن الجزائر بحاجة إلى قوة وطنية جادة و ذات مصداقية بعيداً عن الشعبوية أو منطق الانتقام والتعصب لأن المرحلة الراهنة تتطلب الحكمة، المسؤولية، والشفافية، مع تجنب الاندفاعات العاطفية الهدامة و محاولات إعادة بناء هويات وهمية لا علاقة لها بالجزائر لا من قريب و لا من بعيد.
فلا يمكن الانقلاب على التاريخ بالإنكار و لا تقييد المجتمع بالغلق و التعسف بل يجب افتتاح مسار يتسم بالواقعية و الانفتاح و الوضوح. هذا هو البديل الوطني الديمقراطي الذي سندافع عليه خلال المحطات السياسية و الانتخابية المقبلة بحكم أننا القوة المركزية للقطب الوطني الديمقراطي و قاطرته الحقيقية.
فقرار مشاركتنا في الانتخابات القادمة ليست لضمان مجرد وجود شكلي أو لتلميع الواجهة، بل هو التزام نابع عن ارادة حقيقية للمساهمة في بناء التغيير و صناعة المستقبل، والانتصار على منطق الجمود، العزوف والاستسلام الذي ينهش و ينخر جسد الساحة السياسية و المشهد الانتخابي الوطنيين.
نحن نسعى، عبر هذا التوجه، إلى تمكين المواطنين من المشاركة الفعلية في صناعة القرار، ولتمكين القوى الوطنية من الدفاع عن حقوق الشعب وتطلعاته المشروعة.
في رأينا، الاستقالة والاستسلام ليست خياراً، بل هي حليف مباشر للجمود واستمرار الوضع القائم، واعتراف مسبق و ضمني لفقدان الحقوق والحريات. فوحده الالتزام والمشاركة الفعلية، بمسؤولية جماعية، قادر على حماية المكتسبات الوطنية و الديمقراطية، وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة. لأن الانخراط في العمل السياسي، والتفاعل الصادق، والمساهمة المستمرة في البناء الديمقراطي، يشكل خط الدفاع الأول عن الحقوق والحريات، ويصنع التغيير الحقيقي الذي نصبو إليه جميعاً.
إننا نضع مشاركتنا في سياق الدفاع عن حظوظنا كلها غير منقوصة لقطع الطريق أمام المتطرفين و المغامرين، أمام المتطفلين و المتملقين، أمام الشعبويين و العدميين .
دائما ما يراودنا التساؤل عن سبب على وضع أنفسنا في موقع الدفاع، ونحن نملك من الطاقات والقدرات ما يؤهلنا لأن نكون القوة المحورية في المشهد السياسي والمؤسساتي الوطني؟ لماذا نتردد في رفع صوتنا والدفاع بثبات عن رؤيتنا و برنامجنا، ونحن الذين أثبتنا عبر الزمن صواب أطروحاتنا، ومصداقية مواقفنا، وعمق امتدادانا الوطني؟
إننا لا نفتقد الشرعية ولا المشروعية؛ بل على العكس، نمتلك من عناصر القوة ما يفتقده كثيرون: نمتلك المصداقية، والانسجام بين الخطاب و الممارسة، والمسار النضالي الواضح، والنزاهة الأخلاقية والسياسية، واستقلالية الفعل و القرار. هذه ليست شعارات نتبناها، بل هي رصيد حقيقي راكمناه عبر سنوات من الالتزام والعمل الجاد، في وقت اختار فيه آخرون الفشل، أو التواطؤ، أو الارتهان للشعبوية أو للتسلط.
و المفارقة المؤلمة تبقى أن من تسببوا في إخفاقات الماضي، ومن لفظهم الشعب خلال الحراك الشعبي، يعودون اليوم بواجهات جديدة وخطابات مموهة، ليمنحوا الدروس ويمارسوا الإملاءات، بينما تُستهدف قوى التغيير الحقيقية بالتشويه، والتهميش، ومحاولات الإقصاء. غير أن هذه المحاولات، مهما اشتدت، لن تغيّر من حقيقة أساسية: أن المستقبل لا يُصنع بالوجوه المستهلكة، بل بالإرادة الصادقة والمشاريع الجادة.
لقد آن الأوان لتتغير موازين القوى، وهذا لن يتحقق إلا بوعي جماعي مسؤول، وبانخراط فعلي وحقيقي لكل قوى التغيير و لكافة الجزائريات و الجزائريين. لا يمكن لأي مشروع تغيير أن ينجح إذا بقيت هذه القوى مشتتة أو مترددة أو فضلت أن تظل على الهامش. إن نجاحنا مرتبط بشكل مباشر بمدى قدرتنا على التعبئة، والتنظيم، وتوحيد الجهود حول رؤية واضحة وأهداف مشتركة.
نحن اليوم سندافع بقوة عن كل حظوظنا، دون تردد أو عقدة نقص، وسنتحمل مسؤوليتنا كاملة تجاه الوطن والمجتمع. فالتاريخ لا يرحم المتقاعسين بل يقف إلى جانب من يتحمل مسؤولياته و يؤمن بالمبادرة . وقوى التغيير، إذا آمنت بذاتها وتحركت بثقة و بشكل جماعي، قادرة على فرض نفسها كبديل حقيقي، وكقوة مركزية تصنع الأمل وتفتح أفقًا جديدًا للبلاد.

