أهم المحاور التي تطرق إليها يوسف أوشيس خلال اللقاء السياسي الذي نشطه بالوادي
السيدات والسادة،
الرفيقات والرفاق،
أخواتي وإخوتي الكرام،
يسعدني أن أكون بينكم في المغير يوم أمس، وبوادي سوف اليوم، في هذه الربوع الأصيلة من وطننا الغالي، التي كانت على الدوام فضاءً للعلم، وموطنًا للكرامة والكرم، وساحةً للنضال والصبر والبناء. منطقة أثبت أبناؤها، عبر التاريخ، أن الانتماء للوطن يُقاس بالفعل، وبالالتزام، وبحس المسؤولية.
نلتقي اليوم في ظرف وطني، إقليمي ودولي حساس وبالغ التعقيد، ما يفرض علينا جميعًا وقفة وعي ومسؤولية. ومن هذا المنطلق، أود أن أتقاسم معكم جملة من المحاور الأساسية المرتبطة براهن البلاد في إطار محيطها الإقليمي والدولي، والتحديات والرهانات المطروحة، وذلك وفق رؤية جبهة القوى الاشتراكية.
معنى ومفهوم الالتزام والنضال في المرحلة الراهنة
إن النضال، في تصور جبهة القوى الاشتراكية، ليس موقفًا ظرفيًا ولا ردّ فعل عابرًا، بل هو التزام أخلاقي وتاريخي دائم، يندرج ضمن مشروع وطني ديمقراطي هادف، يرمي إلى تكريس الديمقراطية السياسية، والعدالة الاجتماعية، والنهضة الاقتصادية، في إطار مقاربة سياسية جماعية ومسؤولة.
وهو نضال يهدف إلى صياغة عقد وطني واجتماعي توافقي، يُعزّز الدولة الوطنية ويحمي سيادتها، ويُقوّي مناعتها في وجه الأزمات، ويضمن الحقوق والحريات، ويُكرّس دولة القانون، ويصون المكاسب الديمقراطية.
إن المناضل، في هذا السياق، هو المواطن الواعي والمدرك لما يحيط به من تحديات، والقادر على تجديد التزامه بالفعل والمسؤولية يوميًا.
محاربة الرداءة والتضليل عبر المشاركة والانفتاح
في قلب معركتنا من أجل البناء الديمقراطي، تبرز مواجهة الرداءة والتضليل كأحد أخطر الرهانات المصيرية، لما تخلّفه هذه الظواهر من تشويه للوعي الجماعي، واستنزاف لطاقات المجتمع، وتقويض للإرادة الوطنية، وتفريغ السياسة من مضمونها القيمي والمعرفي بهدف قطع الصلة بين المواطن والشأن العام.
ومن منظور جبهة القوى الاشتراكية، فإن التصدي للرداءة والتضليل خيار سياسي استراتيجي، لا مجرد موقف أخلاقي، يرتبط ببناء دولة قوية بإعادة الاعتبار للعمل السياسي و ضمان انخراط المواطنين في الشأن العام . الأمر الذي يستدعي فتح فضاءات حقيقية ودائمة للنقاش الحر والمسؤول، تكريس انفتاح سياسي وإعلامي فعلي قائم على التعددية، وتمكين النخب والكفاءات والطاقات الوطنية، داخل الوطن وخارجه، من المساهمة في هذا المسار.
فالدولة القوية، في تصور الأفافاس، تُبنى بتحرير العقول و المبادرات، وترقية النقاش العمومي، وربط السياسة بالقيم، والإنصات الصادق لانشغالات المواطن.
مواجهة التطرف والإقصاء… معركة وعي ووحدة وطنية
إن من أخطر التحديات التي تواجه الدولة الوطنية اليوم، إلى جانب الرداءة والتضليل، تنامي كل أشكال التطرف والإقصاء، سواء كانت فكرية، سياسية، جهوية أو هوياتية. فالتطرف، مهما كانت منطلقاته، يشكل خطرًا مباشرًا على وحدة المجتمع، ويغذي منطق الكراهية والانغلاق، ويفتح الباب أمام العنف والتفكك.
وترى جبهة القوى الاشتراكية أن التطرف والإقصاء وجهان لعملة واحدة، كلاهما يقوم على نفي الآخر، ومصادرة التعدد، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى صراع وجودي. وهو منطق يتناقض جذريًا مع مشروع الدولة الديمقراطية، ومع تاريخ الجزائر القائم على التنوع والوحدة في آن واحد.
فالجزائر القوية هي الجزائر الجامعة، المتصالحة مع ذاتها وتاريخها، والفخورة بكل مكوناتها الهوياتية والحضارية، والقادرة على تحويل تنوعها إلى مصدر قوة لا إلى عامل انقسام.
التحول نحو اقتصاد وطني متنوع… شرط السيادة والتنمية والعدالة الاجتماعية
من بين أعقد الإشكالات البنيوية التي تفرض نفسها اليوم كأولوية وطنية، تلك المرتبطة بطبيعة نموذجنا الاقتصادي القائم منذ عقود على منطق الريع، وعلى تبعية مزمنة لعائدات المحروقات، وهو نموذج أثبت محدوديته وعجزه عن الاستجابة لتطلعات المجتمع، خاصة في مجالات خلق الثروة، وتوفير مناصب الشغل، وضمان العدالة الاجتماعية، وتحقيق التنمية المستدامة و الاستقرار الاقتصادي طويل المدى.
تؤكد جبهة القوى الاشتراكية أن الانتقال إلى اقتصاد وطني متنوع، منتج، وخالق للقيمة المضافة لم يعد مجرد خيار اقتصادي، بل أضحى رهانًا سياديًا، يرتبط مباشرة باستقلال القرار الوطني، وبقدرة الدولة على الوفاء بوظائفها الاجتماعية والتنموية، وبحق الأجيال القادمة في مستقبل مزدهر و مشرق.
إن الاقتصاد الذي نرافع من أجله هو اقتصاد متحرر من منطق الريع، ويتجاوز الرؤية الظرفية قصيرة المدى، ليُبنى على رؤية استشرافية واضحة، تضع الإنسان في قلب العملية التنموية، وتُعيد الاعتبار لقيمة العمل، والإنتاج، والابتكار، باعتبارها الأسس الحقيقية للثروة الوطنية. وفي هذا الإطار، ترى جبهة القوى الاشتراكية أن المحروقات، رغم أهميتها، يجب أن تتحول من مركز الثقل في الاقتصاد الوطني إلى قطاع داعم ومساند، تُوظَّف عائداته في تمويل التحول الاقتصادي، وبناء القاعدة الإنتاجية الخلاقة للثروة و لفرص الشغل.
الأمن الغذائي… تحدي اليوم ورهان الغد
إن مسار التنويع الاقتصادي الذي نراه ضروريًا لا يمكن أن يكون شكليًا أو قطاعيًا جزئيًا، بل يجب أن يقوم على منطق التكامل بين القطاعات، وعلى بناء سلاسل قيمة وطنية قادرة على الاستجابة للحاجيات الداخلية والانفتاح على الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، يبرز القطاع الفلاحي و الزراعي كأحد الأعمدة الاستراتيجية لهذا التحول، ليس فقط بوصفها قطاعًا إنتاجيًا، بل باعتبارها ركيزة للأمن الغذائي، ومجالًا واسعًا لخلق الثروة ومناصب الشغل، خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية. وتجسّد ولاية الوادي مثالًا وطنيًا حيًا على ما يمكن أن تحققه الإرادة الجماعية حين تتوفر الرؤية والدعم، حيث تحوّلت المبادرة المحلية والعمل المنتج إلى قوة اقتصادية حقيقية، قادرة على فرض نفسها في معادلة التنمية الوطنية و رقما محوريا في معركة تعزيز السيادة الوطنية و ضمان استقلالية القرار الوطني.
غير أن تثمين هذا القطاع يقتضي الانتقال من منطق الإنتاج الخام إلى منطق التثمين والتحويل والتسويق، وربط الفلاحة بالصناعة، وبالبحث العلمي، وبالتكنولوجيا الحديثة، بما يسمح ببناء اقتصاد فلاحي مستدام أكثر قدرة على المنافسة. ومن هنا، تؤكد جبهة القوى الاشتراكية أن الصناعة التحويلية، ولا سيما الصناعات الغذائية، تشكل حلقة محورية في مشروع التنويع الاقتصادي، لما لها من دور أساسي في رفع القيمة المضافة المحلية، وتقليص التبعية للاستيراد، وخلق نسيج صناعي وطني منتج.
إعادة الإعتبار للقطاع السياحي
كما لا يمكن الحديث عن اقتصاد متنوع دون إعادة الاعتبار لقطاع السياحة، الذي ظل، رغم الإمكانات الهائلة التي تزخر بها البلاد، قطاعًا مهمشًا ومحدود الأثر. إن تطوير السياحة، في تصور الأفافاس تعد خيارًا استراتيجيًا يتطلب رؤية شاملة تجعل منه قطاعًا منتجًا، مستدامًا، ومندمجًا في الاقتصاد المحلي، قادرًا على خلق مناصب شغل، وتنشيط الأقاليم، وتثمين الموروث الثقافي والطبيعي للبلاد، في إطار يحترم الهوية والبيئة ويعزز الانفتاح المتوازن على العالم.
وفي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، فإن أي مشروع اقتصادي للمستقبل لا يمكن أن يستقيم دون الاستثمار الجاد في الاقتصاد المعرفي، والتكنولوجيات الحديثة، والرقمنة، والابتكار. فالقطاعات المستقبلية ليست تكميلًا ثانويًا للاقتصاد الوطني، بل هي أحد مفاتيح السيادة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين. إن نجاح هذا المسار يظل مشروطًا بإصلاح منظومة التعليم والتكوين، وربط الجامعة بالاقتصاد، وتحرير المبادرة، وحماية الكفاءات الوطنية، بدل دفعها إلى الهجرة أو التهميش.
وكل هذه الخيارات لا يمكن أن تفضي لتنمية حقيقية خارج إطار اقتصاد اجتماعي للسوق، كما تدافع عنه جبهة القوى الاشتراكية: اقتصاد يحرر المبادرة الفردية والجماعية، لكنه يضمن دور الدولة الاجتماعي والتنظيمي؛ اقتصاد منفتح على العالم، لكنه يحمي الإنتاج الوطني؛ اقتصاد يخلق الثروة، لكنه يوزعها بعدالة؛ اقتصاد تُدار فيه الموارد بمنطق الحكامة والشفافية، لا بمنطق الريع والامتيازات.
الحرب غير المعلنة على شبابنا وقيمنا… استهداف مباشر للدولة الوطنية
وبما أننا اليوم بمنطقة حدودية، فإننا نعي في جبهة القوى الاشتراكية ما تحمله هذه المناطق من أعباء، وما تتخللها من تحديات، وما تعيشه من آفات عابرة للحدود والمسافات، أحدها وأخطرها الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية. فلا يمكننا أن نغضّ الطرف عمّا تتعرض له بلادنا من حرب غير معلنة، متعددة الأوجه، تستهدف شبابنا، وقيمنا المجتمعية، وأسُس وأركان دولتنا الوطنية. فإغراق المجتمع بهذه الآفات ليس ظاهرة معزولة ولا انحرافًا اجتماعيًا عفويًا، بل هو جزء من مخططات عدائية ممنهجة تُدار في إطار حروب هجينة، هدفها ضرب مناعة المجتمع من الداخل، وإضعاف الدولة عبر تفكيك ركائزها البشرية ومنظومتها القيمية، حتى تصبح سهلة الافتراس.
إن استهداف الشباب، باعتبارهم القوة الحية للأمة وعماد مستقبلها، يندرج ضمن منطق واضح: ضرب الوعي، كسر الأمل، وتفريغ المجتمع من طاقاته القادرة على البناء والمقاومة. وهي سياسة تهدف إلى تحويل فئات واسعة من شبابنا من فاعلين أساسيين في تاريخ الأمة إلى ضحايا للهشاشة، أو أدوات للفوضى، أو مجرد أرقام في اقتصاد الجريمة العابرة للحدود.
ومن هذا المنظور، فإن جبهة القوى الاشتراكية تؤكد أن هذه الآفة لم تعد تُصنّف فقط كقضية اجتماعية أو أمنية، بل كـتهديد صريح للأمن القومي والسيادة الوطنية و محاربتها يجب ان يكون اولوية وطنية وًجماعية.
ومن هذا المنطلق، تؤكد جبهة القوى الاشتراكية أن المعركة ضد المخدرات والمؤثرات العقلية هي، في عمقها، معركة سيادة ووعي ومعركة مصير أمة بأكملها.
الاستحقاقات الانتخابية وتحدي إعادة بناء الثقة
ونحن على مشارف الاستحقاقات التشريعية والمحلية، تؤكد جبهة القوى الاشتراكية عزمها الراسخ على لعب دورها الكامل من أجل إضفاء البعد الديمقراطي الحقيقي على مؤسسات الدولة.
غير أن نجاح هذه الاستحقاقات لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح جذري للمنظومة الانتخابية، وقانون الأحزاب، وتهيئة مناخ وطني يُشجّع المشاركة السياسية، ويُعيد الثقة للمواطن. لقد قدّم الأفافاس رؤية إصلاحية متكاملة، تهدف إلى الحد من العزوف الانتخابي والاستقالة السياسية، وإعادة بناء العقد السياسي والاجتماعي على أساس الثقة والمشاركة.
ويقوم جوهر مقترحات جبهة القوى الاشتراكية على :
• الانتقال من منطق الوصاية والغلق إلى مقاربة الانفتاح التي من شأنها إعادة الاعتبار للعمل السياسي ولأدواته؛
• رفع القيود غير المبررة التي تعرقل الحق في التنظيم، والتعبير الحر، والمشاركة، والترشح؛
• إعادة الاعتبار للبرامج السياسية والعمل الحزبي بدل تكريس الفردانية والمال ومنطق الولاءات المدمر؛
• تكريس استقلالية فعلية للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لضمان مصداقية وشفافية ونزاهة الاستحقاقات المختلفة؛
• حماية الإرادة الشعبية بمحاربة التجوال السياسي وصون العهدة الانتخابية؛
• ضمان مبدأ تكافؤ الفرص والتمويل العادل بين الأحزاب والمترشحين؛
• عصرنة العملية الانتخابية وتبسيط إجراءاتها لتعزيز المشاركة الشعبية.


